من البيانات إلى الكرامة: كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يعيد تشكيل العمل الإنساني؟
أولًا: تغيّرت التحديات وتغيّرت معها المنظمات الإنسانية
عندما نفكر في العمل الإنساني، غالبًا ما تتبادر إلى أذهاننا صور الشاحنات والمخازن، والتحدي الهائل المتمثل في نقل الغذاء والإمدادات من النقطة أ إلى النقطة ب. ولعقود طويلة، كان هذا هو جوهر المشكلة. إلا أنّ التحديات اليوم قد تغيّرت جذريًا. فالقضايا الحاسمة لم تعد تقتصر على كيفية التوصيل، بل أصبحت تدور حول البيانات: من هم الأكثر احتياجًا؟ ومتى يحتاجون إلى المساعدة؟ وكيف يمكن تحسين نوعية المساعدات التي يتلقونها بصورة جوهرية؟
هذه الأسئلة تعكس انتقال العمل الإنساني من كونه تحديًا لوجستيًا إلى كونه تحديًا معلوماتيًا، وهو ما يشكّل الحدود الجديدة للعمل الإنساني.
خلال العقد الماضي، أصبحت عملية التحول الرقمي ضرورة حتمية للمنظمات الإنسانية لضمان كفاءة وفاعلية تقديم الخدمات، وكذلك لتحسين العمليات المؤسسية ككل. غير أنّ السنوات القليلة الأخيرة شهدت تصاعدًا غير مسبوق في الاهتمام بالذكاء الاصطناعي وتعلّم الآلة على المستويات الفردية والمؤسسية والمجتمعية وحتى على مستوى الدول. وفي هذا الإطار، يُعد بنك الطعام المصري رائدًا في تبني هذا التحول، إذ انتقل من نموذج العمل الخيري التقليدي إلى مؤسسة مدعومة بالتكنولوجيا، من خلال دمج الذكاء الاصطناعي وتقنيات البلوك تشين وتحليلات البيانات المتقدمة، بما يضمن تحسين كل حلقة في سلسلة الإمداد الإنساني وتحقيق أثر ملموس لكل تبرع.
ثانيًا: خارج حدود الصندوق: من قوة لوجستية إلى صانع تأثير وسياسات
من سؤال: من يحصل على المساعدة؟ إلى سؤال: كيف نمنع الجوع غدًا؟
في سياق العمل الإنساني، غالبًا ما تطغى الاستجابة الطارئة على التخطيط الاستراتيجي، نظرًا لطبيعة الأزمات التي تتطلب تدخلًا فوريًا لإطعام ودعم الفئات الأكثر هشاشة. غير أنّ بنك الطعام المصري، وبعد أن أصبح قادرًا على تحديد المستفيدين بدقة، بدأ في طرح أسئلة أكثر عمقًا، مثل: كيف نمنع عودة الجوع غدًا؟ وكيف نستثمر أدواتنا وبياناتنا للتعامل مع الأزمات الإنسانية بما يتجاوز الإغاثة الفورية نحو حلول أكثر استدامة؟
تكمن الإجابة في التحول الجذري نحو نهج متعدد التخصصات، قائم على الأدلة والبيانات، وهو النهج الذي يتبناه البنك حاليًا، مدعومًا بآليات التحول الرقمي التي ينبغي لكل كيان إنساني أن يسعى لتطبيقها. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل انطلق البنك برؤية أوسع تهدف إلى تعميم هذا التوجه، وعدم قصره على كونه هدفًا مؤسسيًا داخليًا، بل جعله مدخلًا للتأثير وصناعة التغيير على مستوى السياسات الوطنية.
فالأزمات الإنسانية لا يمكن التعامل معها بمعزل عن السياق العام، بل تتطلب مقاربة شاملة تشمل مختلف مؤسسات الدولة، تستند إلى الخبرات والمعرفة المتراكمة لدى المنظمات العاملة على الأرض. ومن هذا المنطلق، قرر بنك الطعام المصري إطلاق هذه المبادرة لقيادة هذا التوجه ضمن نطاق عمله.
ثالثًا: مبادرة حوار السياسات والتغيير عبر المشاركة
لدفع عجلة الحوار التنموي والإنساني، أطلق بنك الطعام المصري مبادرة حوار السياسات في ديسمبر 2025، لتكون منصة تجمع صناع القرار، والممارسين في مجالي التنمية والعمل الإنساني، والباحثين، والأكاديميين، والخبراء، لمناقشة القضايا المعاصرة التي تواجه القطاع، والخروج بتوصيات وحلول من خلال الحوار، بما يسهم في صياغة سياسات وطنية أكثر ملاءمة وفاعلية.
الذكاء الاصطناعي من أجل التنمية (AI4D): نقطة الانطلاق
كان من أوائل القضايا التي تناولتها المبادرة مسألة توظيف الذكاء الاصطناعي لتعزيز العمل الإنساني، في ظل تعقّد التحديات الإنسانية نتيجة الصدمات الاقتصادية، والأزمات المناخية، والضغوط الديموغرافية، التي جعلت الأمن الغذائي أكثر هشاشة، وأظهرت أن الحلول اللوجستية وحدها لم تعد كافية. ومن هنا، تبرز الحاجة إلى حوار عابر للقطاعات، وصنع سياسات قائمة على الأدلة، واستخدام ذكي وإنساني للتقنيات الناشئة.
وفي هذا السياق، لا يقدّم بنك الطعام المصري نفسه كفاعل إنساني فحسب، بل كمنسّق للابتكار وحوار السياسات. وقد تجسّد ذلك في تنظيم ندوة إلكترونية جمعت خبراء من مؤسسات مختلفة، ودعت منظمات إنسانية أخرى لمناقشة سؤال محوري: لماذا يُعد الذكاء الاصطناعي مهمًا للعمل الإنساني؟ وإذا ما تم استخدامه، فكيف يمكنه فهم الجوع والإنسانية على حد سواء؟
وقد عبّر أحد المتحدثين عن هذا التوجه بمفهوم الذكاء الاصطناعي من أجل الإنسانية، وهو مفهوم جوهري لأي منظمة إنسانية تعتمد على التكنولوجيا.
يتماشى هذا الطرح مع رؤية مصر 2030، والاستراتيجية الوطنية للتحول الرقمي وتوظيف الذكاء الاصطناعي الأخلاقي، كما ينسجم مع التوجه العالمي نحو الذكاء الاصطناعي من أجل التنمية (AI4D)، الذي يركز على الاستخدام الأخلاقي، الشامل، والموجّه بالأثر للتقنيات الحديثة في مواجهة تحديات مثل الفقر، والجوع، وتحسين تقديم الخدمات. ويمكن تلخيص أهمية الذكاء الاصطناعي للعمل الإنساني، وبالأخص في حالة بنك الطعام المصري، في المحاور التالية:
- تحسين العمليات التشغيلية: من خلال التحليلات التنبؤية لتوقّع الطلب، ورصد بؤر انعدام الأمن الغذائي، وتحسين كفاءة التوزيع، وهو ما ثبتت فعاليته في تجارب دولية مثل حالة مالاوي والتنبؤ بأزمة القرن الإفريقي.
- اتخاذ القرار القائم على البيانات والمعلومات: عبر تحويل البيانات إلى رؤى قابلة للتنفيذ بسرعة ودقة، بما يعزز سلاسل الإمداد، والاستهداف الدقيق للمستفيدين.
- الذكاء الاصطناعي الأخلاقي والمسؤول من أجل الإنسانية: بما يضمن تصميمًا إنسانيًا يضع الكرامة البشرية في صميم الحلول، ويفهم طبيعة التحديات، وعلى رأسها الجوع.
رابعًا الخاتمة: مخطط يعيد تشكيل المساعدة الإنسانية
في المجمل، ومن خلال مبادرة الحوار حول السياسات وما تطرحه من قضايا، يبرز بنك الطعام المصري كوسيط معرفي يشهد تطورًا استراتيجيًا، ينتقل فيه من دور المنفّذ إلى المنسّق، وصولًا إلى مُعيد تشكيل النُظم على مستوى السياسات العامة.
وعليه، وفيما يتعلق بالذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي، يضع البنك الأسس لتصميم أنظمة قادرة على الاستباق، والتكيّف، والاستجابة للأزمات الحالية والمستقبلية. ومع ذلك، يبقى سؤال جوهري مطروحًا:
هل يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يفهم الإنسانية والجوع؟ وكيف نضمن توظيفه بما يحفظ الكرامة ويُمكّن الإنسان؟